معجزة الإسلام

 الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز

 

من هو هذا الخليفة.. إنه لا ينتمي لعصر الوحي فحسب.. بل إنه الرجل الذي حاول نقل عصر الوحي بمُثله وفضائله إلى دنيا مائجة هائجة, مفتونة,  مضطربة, متلفعة بالظلم والقهر.. ثم متحللة بالترف, فنجح في محاولته نجاحاً يبهر الألباب, كل هذا ليس في عشرين عاماً, ولا في عشرة أعوام.. بل في عامين وخمسة أشهر, وبضعة أيام..!! يا للمعجزة العمرية!.

 

الطفولة المُرهصـة:

والده عبد العزيز بن مروان كان والياً على مصر لأخيه الأموي عبد الملك بن مروان حيث لبث في ولايته عشرين عاماً.

وكانت أمه ( أم عاصم ) تربي عمر في منطقة حلوان.

 

قولة أبيه المشهورة: ( إن تكن أشجّ بني أمية, إنك إذن لسعيد) قالها أبوه عبد العزيز عندما ركضه جواد فشج رأسه, وكانت تلك نبوءة جده عمر بن الخطاب التي رآها في المنام.

 

قصـة أمه ( أم عاصم ): اسمها ليلى بائعة اللبن.. ف في ليلٍ بهيج  وأمير المؤمنين عمر يتفقد رعيته في الليل تعب وركن على جدار دار ليستريح بعض الشئ فإذا به يسمع حواراً بين أم وأبنتها, تقول ألام لأبنتها: أمذقي اللبن بالماء أي (اخلطيه بالماء) فتقول لها أبنتها لا.. فأمير المؤمنين عمر منع مُذق اللبن بالماء. فتقول لها أمها إن الناس يمذقون وأمير المؤمنين لا يرانا الآن.. فتقول لها البنت.." إذا أمير المؤمنين لا يرانا فرب أمير المؤمنين يرانا. كل ذلك وأمير المؤمنين يسمع في الحوار فقام منتفضاً وذهب إلى المسجد وصلى الفجر ثم ذهب مسرعاً إلى داره ونادى أبنه عاصم بأن يأتيه بخبر هذه المرأة وأبنتها, ثم قص عليه القصة وقال له: أذهب فتزوج هذه البنت الورعة.. فما أراها إلا مباركة فلعلها تلد ولداً يسود العرب، أي نبوءة هذه يا أبن الخطاب!!؟

فتزوجها عاصم بن عمر بن الخطاب وولد منها بنتاً اسمها ليلى وكنيتها ( أم عاصم ) فتزوجها عبد العزيز بن مروان فأنجبت له عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين فتحققت نبوءة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

 

فأتى القدر برجل من بني أمية أعاد الخلافة المغتصبة بعد أن حولوها إلى مزرعة أموية.. فأعاد للخلافة كرامتها ومجدها.

هجرته لطلب العلم:

 طلب من والده في طفولته أن يغادر مصر إلى المدينة المنورة ليتلقى العلم, فترك مباهج الحياة في مصر وشد الرحال إلى المدينة حيث تلقى العلم على يد معلمه الشيخ ( صالح بن كيسان ).

 

قال عنه معلمه الشيخ صالح فقيه المدينة العظيم: ( ما خَبَرتُ أحداً, الله أعظم في صدره من هذا الغلام..!!)

 قال عمر بن عبد العزيز عن نفسه: " ما كذبت منذ شددت علىّ إزاري وعلمتُ أن الكذب يضر بأهله".

 النفس التواقة:

 كان يوماً يستمع لابن سريح يغني قال: " لله دَرُّ هذا الصوت, لو كان بالقرآن" فرغم ولعه بعلوم الفقه, والقرآن كانت نفسه تواقة فنال حظه من الغناء واللحن والشعر والنقد والعلوم الأخرى.

حيث كان الولع بالشعر من أوضح سمات المجتمع العربي في ذلك الوقت, وفي العصر الأموي كان له دوي كـ دوي النحل وكان فحوله الثلاثة ( جرير والفرزدق والأخطل ) الذين نُعتُوا ب ( المثلث الأموي ).

فبعد وفاة أبيه عبد العزيز بمصر ضمه عمه الخليفة عبد الملك بن مروان وزوجه أبنته فاطمة.

وعبد الملك هذا, كان طويل الباع في الفقه, والعلم والشعر بل كان في الفقه يضاهي ب عروة بن الزبير, وسعيد بن المسيب.

التجــربة:

في السنة الخامسة والعشرين, أختاره الخليفة الأموي, الوليد بن عبد الملك ليكون والي المدينة وحاكمها.

بدأ بدستوره ومنهجه الصحيح:

" لا يصح إلا الصحيح, وإن الخير لا الشر والصدق لا الملق والاستقامة لا الزيغ هي دستور إمارته ومنهج عصره.

ومن ثم بدأ.. أول ما بدأ باختيار عشرة من أئمة العلم والورع والفضل في المدينة, فجعلهم مجلس شوراه. وكان هو خلف الوالي هشام بن إسماعيل الذي كان لظلمه وشراسته موضع النقمة والاستهجان.

 

مجلس شوراه العشرة هم:

 عبد الله بن عبد الله بن عتبة, وأبو بكر بن عبد الرحمن, وعروة, وأبو بكر بن خيثمة, والقاسم بن محمد بن حزم, وسليمان بن يسار, وخارجة بن زيد بن ثابت, وسالم بن عبد الله, وعبد الله بن عامر بن ربيعة, إنهم عقد لؤلئي منظوم.

وفي أول اجتماع له بهم قال لهم:

" إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه, وتكونون فيه أعواناً لي على الحق.. أناشدكم الله إن رأيتم عدواناً أو باطلاً إلا أبلغتموني أمره, وأرشدتموني إلى الحق".

فاتسعت رقعت سلطانه فصار والياً على الحجاز كله_ مكة والمدينة والطائف.

 

ماذا قال عنه الصالحون:

قال عنه أنس بن مالك صاحب رسول الله (ص) عندما صلى خلفه: " ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله من هذا الرجل".

وقال عنه العالم الجليل مجاهد بن جبير الذي عرض القرآن على بن عباس ثلاثين مرة, يقول: " أتينا عمر نُعلِمه, فما رجعنا حتى تعلمنا منه..!!."

ويقول الإمام الليث:

                  " ماالتمسنا علم شئ, إلا وجدنا عمر بن عبد العزيز أعلم الناس بأصله وفرعه, وما كان العلماء عنده إلا تلاميذه.

 

قولته المشهورة ونصيحته للخليفة الوليد بن عبد الملك:

عندما حاول الحجاج بن يوسف السقفي أن يوقع بينه وبين الخليفة وكان الحجاج من المقربين للخليفة بل ذراعه اليمين.

قال عمر: " لو جاءت كلُ أمة بخطاياها يوم القيامة.. وجئنا نحن بالحجاج وحده لرجحناها جميعاً.. إنه نموذج نادر من الولاة الذين لا يخافون في الله لومة لائم..!

فعزله الخليفة عن ولاية الحجاز بعد أن لبث فيها ستة أعوام.. كانت عدلاً وأمناً ورخاءً.. فرجع إلى الشام.. معزولاً.. فعكف في صحبة الأبرار ورجال الدين والفقهاء أمثال عبد الله بن عتبة ورجاء بن حيوة وكان يراسل أمامه الحسن البصري ويتعلم منه.

 

وفاة الخليفة الوليد بن عبد الملك:

                               بعد وفات الخليفة الوليد خلفه أخوه ( سليمان بن عبد الملك) وعلى الرغم مما يكنه سليمان بن عبد الملك ل عمر بن عبد العزيز من إجلال ومحبة فقد خافه ( والياً ) ومن ثمّ آثر استبقاءه أخاً وصديقاً.. وإن زاد فناصحاً.

 

مواقفه الشجاعة:

               أصطحبه الخليفة سليمان يوماً لزيارة بعض معسكرات الجيش, وأمام معسكر يعج بالعتاد والرجال, سأله في زَهو.. ما تقول في هذا الذي تراه يا عمر..؟!

وسرعان ما أجابه كقاصمة الظهر فقد قال:

" أرى دنيا, يأكل بعضها بعضاً وأنت المسئول عنها, والمأخوذ بها..!!"

وبُهِت الخليفة لرده فقال له:ما أعجبك!!

وإذا عمر بن عبد العزيز يجيب قائلاً:

                                    " بل أعجبَ من عرف الله فعصاه.. وعرف الشيطان فأتبعه.. وعرف الدنيا فركن إليها؟!

فعلى هذه الوتيرة, راح عمر يُلقي نُذُره محاولاً أن يفتح الأعين العُمى, والآذان الصُّمّ.

 

أين مستشارونا.. من هذه المدرسة العمرية, لقد أسمعت من ناديت حياً.. ولكن لا حياة لمن تنادي..إنك نِعم القُدوة ونِعم المثال.

 

التَّرِكـة القـاتِلة:

                 باستخلاف معاوية لولده يزيد الذي هدم بالانحلال والقسوة ما بناه أبوه بالدهاء والحلم, والذي سن للدولة الأموية على طول عهدها شريعة الغاب التي سارت عليها.

فقد مات يزيد بعد أعوام أربعة قضاها في المُلك عابثاً جباراً, فعمل القدر في أن يحرم بيت أبي سفيان من الخلافة إلى الأبد.

وفي مرض موته خلع المُلك على ولده معاوية الثاني حرصاً منه على أن تظل راية الخلافة فوق بيت أبي سفيان!! لكن القدر العظيم كان يعُد مفاجأة أذهلت الدنيا ولا تزال..ذاك أن معاوية الثاني ذلك الشاب التقي والورع, جمع الناس في يوم مشهود, ونهض فيهم خطيباً, فقال:

" إن جدي معاوية نازع الأمر أهله ومن هو أحق منه لقرابته من رسول الله وسابقته في الإسلام, وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه, ثم تقلد أبي يزيد الأمر من بعده, فكان غير أهل له.. ركب هواه وأخلفه الأمل..!! وإن من أعظم الأمور علينا, علمنا بسوء منقلبه وقد قتل عِترة رسول الله (ص) الحسين بن علي وأباح الحرم, وخرّب الكعبة!! وما أنا بالمتقلد أمركم, ولا المتحمل تبعاتكم, فاختاروا لأنفسكم..!! ثم عكف في داره رافضاً الخلافة حتى لقي ربه راضياً مرضيا.. وهكذا لم يُحرم بيت أبي سفيان آماله في استبقاء المُلك فحسب, بل تلقى وثيقة إدانة رهيبة من أحد بنية الأبرار..!؟

فكان هذا الحديث زلزالاً وبيلاً أصاب حكم الأمويين بدوار خلع أفئدة جبا ريه من أمثال عبيد بن زياد, قاتل الشهيد المجيد الحسين بن علي رضي الله عنه.

فهرب الطاقية متنكراً في ثياب امرأة, حتى يصرع فيما بعد قتيلاً.. وتمزقت الدولة تمزقاً وضعها على شفا الهاوية, فقعد مروان بن الحكم على منصة الحكم وسط فتن, ومؤامرات ماكرة, وإن له مواقف كثيرة تدمغه وتدينه.. فدخل مصر على رأس جيش هزم واليها عبد الرحمن بن جحوم.. ثم دعي الناس إلى بيعته طوعاً وكرهاً.

وحين احتفظ الكثير منهم بيعتهم السابقة لـ عبد الله بن الزبير, ضرب أعناق ثمانين منهم ليرهب بهم الباقين. وفي الوقت نفسه أرسل عبيد الله بن زياد قاتل الحسين بن علي إلى العراق, وأمره أن يستبيح الكوفة بعد فتحها!!

ثم غدر بأتباعه المقربين أمثال خالد بن يزيد الذي كان ولياً لعهده, كما غدر بعمرو بن سعيد بن الأشدق, الذي لو لا بلاءه العسكري ما أستقر الأمر لمروان, وقبل أن يموت مروان الذي لبث في الحكم عشرة شهور, أخذ البيعة لولده عبد الملك ومن بعده عبد العزيز أي إنه سار على نهج معاوية, فجعلها هر قلية, كلما مات هِرقل قام هِرقل !!

وينهض عبد الملك بن مروان بالأمر ومن بعده ولده الوليد ومن بعد الوليد سليمان, وخلال هذا العهد تقدم لا سيما في عصر عبد الملك إنجازات هائلة لا يغمط لها قَدرْ.

فأما منهج المروانيين في القسوة والبطش, فيبدوا واضحاً في اصطناعهم الحجاج بن يوسف ونظراء الحجاج, وكما نعلم لقد اختاره الخليفة عبد الملك لقتال الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير.

فلمجرد أن قال الحجاج لعبد الملك لقد رأيت في المنام أنني أمسك عبد الله بن الزبير وأقوم بسلخه لأنه عارض بطشهم وحكمهم, فبعثه ليحقق هذا الحلم وليقوم بسلخ ابن حَوَاريِّ رسول الله.. وابن أسماء بنت أبي بكر الصديق وهو العابد القانت الأواب..!

فمضى الحجاج إلى غايته, فما أبقى على حرمة.. ونصب المنجنيق فوق جبل قبيس ورمى به المسجد الحرام في الشهر الحرام, والمسلمون يؤدون شعائر الحج ومناسكه..!!

 

وتلقى مكافأته من عبد الملك الذي ولاه على مكة والمدينة واليمن, واليمامة, ثم نقله إلى العراق ليصب عليه بطشه.

ولا يكاد يطأ أرض حتى يخطب خطبته المشهورة: " إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها, وإني لصاحبها.. ول كأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللِّحى, قد شمّرت عن ساقها تشميرا.. وقسماً بالله, لآخذن الوليّ بذنب مولاه, والمقيم بذنب الظاعن, والمطيع بذنب العاصي, حتى يلقى الرجل أخاه, فيقول له ( أنجُ سَعد.. فقد هلك سَعيد).. أي قسوة هذه وأي طاغية جبار هذا.!؟

هذا هو الوصف الصحيح للتركة القاتلة التي سيخلفها بنو مروان للرجل الصالح ( عمر بن عبد العزيز).

وشهد عبد الملك وهو في مرضه, إذا أصبح يقول: " ماذا سأقول يوم المسألة عن أمر الحجاج !!.

 

البُشــرى:

            هاهي ذي الخلافة تقترب من الرجل التقي الورع عمر بن عبد العزيز.. ونراه لا يسعى لها.. لأنه سمع رسول الله (ص) يقول عن السلطة: ( إنها نِعْمَتِ المُرضعة.. ويئست الفاطِمة.. إنها في الدنيا إمارة, وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها, وأدى الذي عليه فيها..!؟.

 

فعندما مرض الخليفة سليمان بن عبد الملك وكان أبناءه صغاراً, فأحتار فيمن يخلفه فأستشار الشيخ الورع التقي ( رجاء بن حَيوة) فقال له الشيخ رجاء, أخلف رجلاً صالحاً.. فقال له من يكون, قال له: عمر بن عبد العزيز فصادف هواه فكتب وصيته بخلافة عمر بن عبد العزيز ويليه يزيد بن عبد الملك.

 

المعجــزة:

            لقد وليَّ عمر بن عبد العزيز خليفة وهو في الخامسة والثلاثون.. لا ريب أن اصطفاء الله وتوفيقه, يقفان قبل كل سبب ودافع وراء المعجزة.. فالله سبحانه على كل شئ قدير.. وهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته وأعلم حيث يضع سِرَّه وبركته..

فأول: عمل قام به بعد دفن الخليفة سليمان بن عبد الملك, أمر بقرطاس وقلم, ثم كتب إلى مسلمة بن عبد الملك, ليعود بجيشه من القسطنطينية.

وإلى يزيد  بن أبي مسلم, يخبره بعزله عن افر يقيا, ويدعوه ليقدم حسابه, حيث إنه كان طاغية جبار. وأرسل إلى أسامة التنوخي, يخبره بعزله عن خراج مصر ويدعوه ليقدم حسابه.. لقد أمر بعزل هؤلاء الطغاة القساة.

ثانياً:

    أمر برد كل المباهج والمواكب والحرير والديباج إلى بيت مال المسلمين, وأمر بأن يؤتى له بحصير يفرش على الأرض فجلس عليه, وأمر بتسريح كل الجواري حين عرضت عليه ليختار وصيفات قصره.. إنه يريد أن يعيد عصر الوحي ونهج الصحابة الأبرار.. بعد أن رأى الطغيان والقسوة والاستبداد الذي أفسد كل شئ.

فالشهور التسعة والعشرون ( أي سنتين وخمسة أشهر وبضعة أيام قضاها خليفة غيرت نهج الدولة وأطفأت نار الظلم والفساد.. فعم الأمن والخير والسلام ربوع الدولة الإسلامية.

 

ماذا قال في أول يوم يعتلي المنبر خطيباً:

" أيها الناس.. إنه ليس بعد نبيكم نبي, وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب, فما أحلّ الله على لسان نبيه, فهو حلال إلى يوم القيامة, وما حرّم الله على لسان نبيه, فهو حرام إلى يوم القيامة.. ألا وإني لست بقاضٍ, وإنما مُنفذ.. ولست بمبتدع إنما مُتبِع, ولست بخيركم, إنما أنا رجل منكم غير أني أثقلكم حملاً..!

هكذا تتضح المسؤولية في روعة غاية الوضوح.

 

ماذا قالت عنه زوجته فاطمة بنت عبد الملك:

تروي زوجته فاطمة بنت عبد الملك..قالت دخلت عليه يوماً, وهو جالس في مُصلاه, واضعاً خده على يده ودموعه تسيل.. فقلت له ما بالك, وفيم بكاؤك..؟ فقال ويحك يا فاطمة.. إني قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت.. ففكرت في الفقير الجائع, والمريض الضائع, والعاري المجهود, واليتيم المكسور, والمظلوم المقهور, والغريب, والأسير, والشيخ الكبير, والأرملة الوحيدة, وذي العيال الكثير والرزق القليل, وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد, فعلمت بأن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة, وأن خصمي دونهم يومئذ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فخشيت أن لا تثبت لي حجة, فلذلك أبكي.( إنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه).

 

وتقول زوجته فاطمة.. بعد أن تحولت حياتها من النعيم إلى شظف العيش..تقول " يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بُعد المشرقين.. فوالله, ما رأينا سُروراً ( مباهج الحياة) منذ دخلت علينا الخلافة.

هذه فاطمة التي كانت زوجة خليفة, وبنت خليفة, وأخت خليفة.. حيث عاشت النعيم ومباهجه في قصور والدها عبد الملك بن مروان, تتمنى أن لو كانت الخلافة منهم بعد المشرقين.. حتى حللها ومجوهراتها كلها وضعها زوجها في بيت مال المسلمين.

طلب منه مرة صرف مبلغ كبير لكسوة الكعبة فقال:" إني أرى أن أجعل هذا المال في أكباد جائعة, فإنها أولى به من الكعبة..!

وقال يوماً: " لو أن كل امرئ, لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى يُلزِم بذلك نفسه, لما كان هنالك أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر.. ولقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة..!؟

هذه قداسة رجل كان يدعوا ربه دائماً فيقول: " اللهم أنفعني بعقلي"..!!

 

المنهــج:

قال وهو يرسي قواعد دولة العدل والفضيلة " والله لو لم ينهض الحق ويُدحض الباطل إلا بتقطيع أوصالي وأعضائي, لأمضيت ذلك وأنا سعيد"!!

فهو يريد أن يصلح الأمة بالقدوة وليس بالقوة وتجلى هذا في قوله " لست إلا كأحدكم غير أني أثقلكم حملاً "

فبدأ بنفسه حيث كان دخله السنوي أربعون ألف دينار, فقام بوضع كل أمواله وممتلكاته التي ورثها من أبيه وحلى زوجته, وضع كل ذلك في بيت مال المسلمين ولم يبق إلا قطعة أرض اشتراها بحُر ماله, فكان خراجها مئتا دينار في العام أصبح يعيش عليها هو وأسرته بعد أن كان دخله أربعون ألف دينار في العام.

ثم حرم نفسه حتى حقها المشروع في راتب الخلافة, لقد آمن بأن الشورى ضرورة, وليس ترفاً.. وأمن بأنها كلما اتسعت قاعدتها, استقام الحكم وشاع الحق, واستوثق العدل, وعاش الناس كما يريد لهم دينهم, وكما ولدتهم أمهاتهم أحراراً.

ماذا قال للغلام وهو يتحدث:

يوماً وفد إليه قوم فتقدم غلام يتحدث باسمهم فقال له أمير المؤمنين دع القول لمن هو أسَنُ منك, فرد عليه الغلام " يا أمير المؤمنين المرء بأصغريه قلبه ولسانه.. ولو كان الأمر بالسِن, لكان في المسلمين من هو أحق بهذا العمل منك" !

فقال له: صدقت.. صدقت.. عِظني بابني..!!

كان يرفض الهدية وكان يقول: ( لقد كانت للرسول هدية, ولكنها لنا رشوة)

حرصـه على المال العام:

                         يروى عنه حين كان يباشر أمور الدولة ليلاً على مصباح يؤخذ زيته من بيت المال, فإذا عرض له في أثناء ذلك طارئ شخصي ولو كان لا يستغرق سوى لحظات فإنه يطفئ مصباح بيت المال, ويوقد شمعته أو مصباحه, حتى ينتهي من ذلك الطارئ !!

وكان يقول للذين كانوا يأخذون الضريبة من المسلمين بغير وجه حق: " إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً "!!فأوقف الضرائب التي فرضت على الناس قبل خلافته.

 

عندما أعاد الأمور إلى نصابها:

عندما وضع الأمور في نصابها وأوقف الامتياز الذي كان بنو أمية يتميزون به عن غيرهم, اجتمعوا وأوفدوا له صديق له يطالبون بأن يزيد هم وأن يرفع لهم العطاء.. فرد عليهم بالرفض.

 

فقال لهم الذي أوفدوه له: " يا بني أمية.. متهكماً .. لا تلوموا إلا أنفسكم, فقد عَمَدتُم إلى صاحبكم ( عبد العزيز بن مروان) فزوجتموه حفيدة عمر بن الخطاب فجاءتكم ب عمر بن عبد العزيز فلا تلوموا إلا أنفسكم.. "!!

 

شهد شاهد من غير أهله:

عندما بلغ إمبراطور الروم ( ليو الثالث ) نبأ وفاة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز, بكى بكاءً شديداً حتى حير أساقفته.. فسألوه لماذا تبكي عليه وهو كان من ألد أعدائنا.. قال " مات والله ملك عادل ليس لعدله مثيل" نعم لأنه بعدله حفظ لأهل الذمة من الأنصار حقوقهم.

لم لا وهو الذي أعاد عصر الوحي في فترة حكمه فأرسى قواعد العدل والمساواة وقهر الظلم والاستبداد.

  

هذه ثمرات معلم الصحابة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد (ص):

نعم هذه ثمرات معلمهم محمد (ص).. فكان الصحابة.. إذا خاضوا في سبيل الله قتالاً اندفعوا اندفاع من يبحث عن المنية لا عن النصر..!! وإذا كانوا خلفاء وحكاماً, ذهب الخليفة يحلب شياه الأيامى, ويعجن خبز اليتامى.. كما فعل أبوبكر الملقب ب ( حالب الشاه ), وعمر بن الخطاب ( صانع خبز الفقراء واليتامى), وإذا كانوا ولاة حملوا أغراضهم وطعامهم من السوق على ظهورهم مربوطاً بحبل كما فعل عمار بن ياسر وهو والي على الكوفة.. وتنازلوا عن راتبهم من بيت المال وجلسوا  يصنعون من الخوص المجدول أوعية ومكاتل, كما صنع سلمان الفارسي..!!؟.

هذا الرجل صاحب هذه الحياة الحافلة.. الظافرة أبداً.. كانت أروع انتصاراته هذا الورع الذكي الجليل الذي أعطى دنيا الناس والحكام قدوة لا تبلى.. في العدل والورع والزهد.. لم لا وهو حفيد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

اللهم أجمعنا بهم في الفردوس الأعلى.. يارب.. آميييييييين.

 

وصيته لولاته:

كان دائماً يوصي ولاته بهذه الوصية.. " إذا قدرت على دواء تشفي به صاحبك دون الكيِّ فلا تكوينَّه أبداً..!!"

القسـم الحق:

عندما وقع أحد الجنود الأشداء أسير على يد الرومان عندما كان الجيش يحاصر القسطنطينية, أخذ الجندي إلى إمبراطور الروم, فحاول أن يرده عن دينه فرفض فأمر أن تُسمل عيناه..فبلغ الأمر أمير المؤمنين فكتب كتاب إلى ملك الروم.

 

كتابه إلى ملك الروم:

 " أما بعد.. فقد بلغني ما صنعت بأسيرك فلان.. وإني أقسم بالله, لئن لم ترسله إليّ من فورك لأبعثن إليك من الجند ما يكون أولهم عندك, وآخر هم عندي.."

فيطلق الأسير ويعود إلى وطنه وأهله.. أي همة عالية من هذا الطراز من الحكام!؟

 

 

الرحيــل:

لقد عاش فترة خلافته.. تسعة وعشرون شهراً..وكأنها تسعة وعشرون عاماً.. إنه نقل الناس في هذه الشهور القليلة من دنيا الترف والفساد والردّة, إلى عصر الوحي والنبوة.

 

 

ماذا قال لرعيته قبل الرحيل:

 " إن لله شرائع وسنناً, إن أعِش أعلمكموها وأحملكم عليها.. وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص..!

آخر كلماته وهو في سرير المرض:

   كان يردد الآية الكريمة ( تلك الدارُ الآخِرةُ نجعلها للذين لا يُريدونَ عُلُواً في الأرضِ ولا فساداً والعاقبة  للمتقين.) صدق الله العظيم

 

إعداد وتلخيص/ سـعد الدين حسن بابكـر

مملكـة البحرين- المنامة

التاريخ/ 10/8/2007م